أهلا و سهلا بكم في مدونة أعلام الجزائر والتي أردنا من خلالها جمع تراجم وسير علماء الجزائر وفقهائها ومصلحيها ... فطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة مقعدا ونرحب بنقدكم وتقييمكم وتقويمكم البناء والمدونة في طور التصميم والبناء . .أخوكم في الله ::ع.ب ::......... ..

mercredi 2 mars 2011

محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني


محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني



كنيته و مولده و نشأته :

أبو عبد الله، محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني ، والمغيلي : بفتح الميم نسبة إلى مغيلة قبيلة من البربر استوطنت تلمسان ووهران و المغرب الأقصى، وهي فرع من قبيلة صنهاجة كبرى شعوب الأفارقة البيض (انظر وصف إفريقيا 1/36،38)] ولد في مدينة تلمسان سنة 790 هـ / 1425 م ، من عائلة راقية النسب ، ومشهورة بالعلم و الدين والشجاعة في الحروب وهو يعتبر العالم رقم عشرين في سلالة المغيليين التي تبتدئ بإلياس المغيلي [ وهو ذلك العالم البربري الذي اعتنق الإسلام ، وحمل لواء الجهاد فكان له شرف المشاركة مع طارق بن زياد في فتح الأندلس ]، والده عبد الكريم اشتهر بالعلم والصلاح ، كما أن أمه اشتهرت بأنها سيدة فاضلة تحب الفقراء والمساكين وتنفق عليهم بسخاء، وقد قام هذان الوالدان بتربيته وتنشئته تنشئة حسنة .

طلبه العلم و شيوخه:

حفظ القرآن الكريم على يد والده والذي علمه أيضا مبادئ العربية من نحو وصرف و بيان. كما قرأ عليه أيضا موطأ الإمام مالك وكتاب ابن الحاجب الأصلي ، انتقل بعدها ليدرس عند الإمام الفقيه محمد بن أحمد بن عيسى المغيلي الشهير بالجلاب التلمساني ( ت سنة 875 هـ )، والذي أخذ عنه بعض التفسير والقراءات ، ولقنه الفقه المالكي ، فقد ذكر المغيلي انه ختم عليه المدونة مرتين ، ومختصر خليل والفرائض من مختصر ابن الحاجب ، والرسالة. كما تلقى العلم عن علماء وشيوخ تلمسان منهم : - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي بن يحيى الحسني أبو يحيى التلمساني ( 826 وقيل 825 هـ ) ، عالم بالتفسير حافظ محدث من أكابر فقهاء المالكية ، قال عنه أحمد بابا في [ نيل الابتهاج ص 171] : " بلغ الغاية في العلم والنهاية في المعارف الإلهية وارتقى مراقي الزلفى ورسخ قدمه في العلم وناهيك بكلامه في أول سورة الفتح ولما وقف عليه أخوه عبد الله كتب عليه : وقفت على ما أولتموه وفهمت ما أردتموه فألفيته مبنيا على قواعد التحقيق والإيقان ، مؤديا صحيح المعنى بوجه الإبداع والإتقان بعد مطالعة كلام المفسرين ومراجعة الأفاضل المتأخرين".

- محمد بن إبراهيم [ بن يحي حسب الونشريسي في المعيار ] بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن الإمام أبو الفضل التلمساني ( ت 845 هـ ) " عالم بالتفسير والفقه مشارك في علوم الأدب والطب والتصوف من أهل تلمسان، قال عنه السخاوي في ( الضوء اللامع 10/740) : " ارتحل في سنة عشر وثمانمائة فأقام بتونس شهرين ثم قدم القاهرة فحج منها وعاد إليها ثم سافر إلى الشام فزار القدس وتزاحم عليه الناس بدمشق حين علموا فضله وأجلوه ." انتقل بعدها إلى بجاية حيث أخذ عن علمائها التفسير والحديث الشريف ، والفقه وكانت بجاية حينئذ إحدى حواضر العلم والثقافة العربية الإسلامية،وكيف لا يقصدها وقد أصبحت قبلة العلم والعلماء، إذا كانت هذه الحاضرة قد استعانت بعلماء المشرق في نشر العلم ، ثم سرعان ما أنجبت وخرجت علماء كثيرين سار بذكرهم الركبان ليس فقط في المغرب الأوسط أو المغرب الكبير بل وذاع صيتهم في المشرق العربي حيث تولى بعضهم التدريس والقضاء في الشام وبغداد و مصر

انكب المغيلي على الدراسة في بجاية ، تلقى خلالها علوم جمة على يد علماء أجلاء أمثال: - الشيخ أحمد بن إبراهيم البجائي (ت سنة 840هـ/1434م)، إمام جليل، اشتهر بالتفسير والفقه، تتلمذ له المفسر المشهور الثعالبي. - منصور بن علي عثمان - أبو علي الزواوي المنجلاتي، من فقهاء وعلماء بجاية ، ومن ذوي العصبية والقوة فيها ، وكان من أصحاب الرأي والتدخل في الأحداث السياسية لمكانته المرموقة.

قال عنه السخاوي في الضوء اللامع : " رأيت من قال أنه الزواوي العالم الشهير ، وأنه مات بتونس 846 هـ " كما أخذ عن غيرهم من العلماء منهم يحيى بن نذير بن عتيق، أبو زكريا، التدلسي، القاض، من كبار فقهاء المالكية، من أهل تدلِّس، تعلم بتلمسان. وولي القضاء بتوات. أخذ عنه محمد بن عبد الكريم المغيلي [ تعريف الخلف 1: 196] و أبي العباس الوغليسي، و يذكر المغيلي " أنه قرأ الصحيحين ، و السنن و موطأ الإمام مالك ، و الفقه المالكي" ، و لم يكتف عبد الكريم المغيلي بما تحصل عليه من علوم في تلمسان و بجاية بل راح يبحث الاستزادة من رحيق المعرفة، فتوجه مباشرة إلى الجزائر أين اتصل بالمفسر المشهور - عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف بن طلحة الثعالبي صاحب التفسير المشهور (الجواهر الحسان) ، و لازمه ملازمة لصيقة ، و قد أعجب الإمام الثعالبي بالطالب المغيلي وبفطنته وذكائه ، فزوجه ابنته اعترافا منه بعلمه وفقهه وأدبه.

العلماء في عصر المغيلي :

عاش الإمام المغيلي في فترة شهدت بروز العديد من المفسرين والعلماء والفقهاء والمؤرخين والأدباء والشعراء ، الكثير منهم خالطه واجتمع به وتبادل معه مجالس العلم والأدب نذكر منهم العلامة قاسم بن سعيد بن محمد العقباني المتوفي سنة 837 هـ ، والعلامة محمد بن أحمد بن مرزوق المتوفي سنة 842 هـ ، والعالم الصوفي إبراهيم التازي المتوفى سنة 866 هـ ، والعلامة الفقيه محمد بن يحي التلمساني المعروف بابن الحابك المتوفي سنة 867 هـ ، والعلامة محمد بن أبي القاسم بن محمد بن يوسف بن عمرو بن شعيب السنوسي المتوقي سنة 895 هـ ، والعلامة أحمد بن زكري التلمساني المتوقي سنة 899 هـ ، وابن مرزوق الكفيف المتوقي سنة 901 هـ ، والعلامة أحمد ين يحي الونشريسي المتوقي 914 هـ و غيرهم، مما جعله يستفيد فائدة عظيمة من علمهم و نصائحهم و إرشاداتهم التي سنرى أثرها في دعوته فيما بعد .

يشبهه الكثير من المؤرخين والمترجمين الذين كتبوا عنه وعن جهاده ودفاعه لنشر الإسلام الصحيح ومحاربة البدع والمنكرات بشيخ الإسلام ابن تيمية نفسه الذي تأثر به وبأفكاره وكتبه ورسائله التي كانت تصل إلى الشطر الغربي من العالم الإسلامي ، و ( يقال أنه كانت بينهما مراسلات وهو ما أجاب عنه الدكتور عمار هلال في مقالة له نشرها بجريدة المجاهد الجزائرية بتاريخ 20 / 06 / 1985 م حيث ذكر أنه : " في المؤلفات الجزائرية التي لها علاقة بالعلوم الإسلامية : فقه وتفسير وحديث ...الخ في القرن الخامس عشر الميلادي ، هل نجد أي إشارة إلى ابن تيمية أو إلى أعماله ؟ ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال ، ولكن ما يسمح لنا بالاعتقاد هو أن المغيلي نفى نفسه إلى الصحراء الجزائرية حيث كانت المواصلات حينئذ من الصعوبة بمكان ومع هذا فان فُتاتا من المعلومات التي وصلتنا من تلك المنطقة الواسعة للشرق الأوسط تجعلنا نفكر بأنّ ابن تيمية قد تمنى كثيرا أن يعرف ابن عبد الكريم المغيلي ، المهم هو أن كلاً منهما قد قام بعمله بدافع حماسته للإسلام حتى لو أنهما لم يلتقيا ، والمهم كذلك هو أن الرسالة التي أرادا نقلها وصلت تماما إلى الذين أرادا استقطابهم ليصبحوا مؤمنين صالحين " كما كانت له مراسلات ومناظرات مع الإمام السيوطي ، نقلها ابن مريم في كتابه " البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان " أثناء ترجمته للمغيلي.

الإمام المصلح ونازلة توات :

نقم الإمام المغيلي وانزعج من سلوك سلاطين تلك الفترة الذين كانوا يحكمون مملكة تلمسان وبجاية ، وبعد سخطه على أفعالهم وخاصة على الكيفية التي يعالجون بها رعاياهم ، وبعد أن أثّر فيه سكوت أو تغاضي المثقفين ورجال العلم ، هاجر الإمام إلى منطقة تمنطيط بتوات أدرار، وكان لومه على السلاطين بسبب عدم امتثالهم لا في حياتهم الشخصية ولا في كيفية حكمهم إلى قواعد الإسلام . إن قصور توات وتيكرارين تمنطيط وأسملال و أولف و زاوية كونتة فنوغيل ، كلها أسماء تشهد لهذا الإمام جهاده ودعوته ، هذه المناطق التي زارها صال وجال فيها يقوم بمهمة الدعوة إلى الله والإصلاح ، ونشر المبادئ الإسلامية الصحيحة النقية كما عرفها السلف الصالح رضوان الله عليهم ، وقد احتضنته القبيلة العربية الأصيلة بني سعيد ، حيث عاش بينهم كواحد منهم يحترمونه ويبجلونه ويستمعون إلى دروسه ويتبعون دعوته حتى بدأ يكتشف دسائس اليهود الذين كانوا يعيشون في المنطقة منذ زمن بعيد ، وكانوا يستحوذون على السلطة الاقتصادية والموارد المالية وأفسدوا الأخلاق والذمم - كما هي عادتهم دائما عليهم لعنة الله – حيث أنهم كانوا يتحكمون في أكبر كنز في الصحراء ألا وهو : الماء ، كما أنهم قاموا ببناء معبد لهم في واحة تمنطيط خارقين بذلك العهود التي بينهم وبين المسلمين، وقد شن عليهم المغيلي حربا شعواء لا هوادة فيها لوضع حد نهائي لتجاوزاتهم واستهانتهم بالدين الإسلامي ، لقد ضيق عليهم الخناق وبذلك ظهرت ما يسمى "بنازلة توات" (( وأصل المشكلة التي طرحت على الفقيه الإمام المغيلي ، هو أن بعض المسلمين من "توات"، تلك الناحية المتواجدة في وسط الصحراء الجزائرية، والتي تضم عددا من الواحات أو القصور كما يسميها سكان الجنوب، وأهمها في القديم واحة "تمنطيط"، وهي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، وقد تفوقت عليها في العصر الحاضر مدينة أدرار، وتمنطيط هي اليوم ضمن ولاية أدرار. قلت إن بعض المسلمين من توات، قد أنكروا على اليهود القاطنين في المنطقة، سلوكهم، ومخالفتهم للقوانين، وللتراتيب التي حددها لهم الفقهاء المسلمون، على مر العصور. وتفاقمت الأزمة بعد أن شيد أولئك السكان من اليهود، كنيسة جديدة لهم في "تمنطيط". وقد أثار هذا الخبر ثائرة المسلمين ، الذين اعتبروا تشييد معبد جديد، مخالفة صريحة للشريعة التي تسمح للذميين بإصلاح معابدهم القديمة فقط، وتحظر عليهم بناء معابد جديدة، غير أن بعض العلماء المحليين، وعلى رأسهم قاضي المدينة، خالفوا أولئك النفر من المسلمين وقالوا: إن اليهود ذميون، لهم ما لأهل الذمة من الحقوق المنصوص عليها في كتب الفقه. وقد احتج كل فريق بآيات قرآنية كريمة و بأحاديث نبوية شريفة، وبأقوال السلف من الأئمة والفقهاء، غير أن كلا الفريقين لم يقو على فرض آرائه، وعلى استمالة عامة الناس إليه. وكان في مقدمة الناقمين على اليهود، العالم الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي. وقد اشتهر هذا الفقيه بنشاطه، وبحيويته في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي نشر تعاليم الإسلام ومحاربة البدع والخرافات خاصة ببلاد الزنوج – كما سنرى – حيث أصدر فتوى أكد من خلالها: " أن سيطرة اليهود على عموم نواحي الحياة في تلك الديار، وبخاصة النواحي الاقتصادية، يتنافى مع مبدأ الذلة والصغار التي اشترطها الإسلام مقابل حمايتهم وعيشهم بين ظهراني المسلمين، وعليه فإن هذا التفوق لليهود وإمساكهم بزمام السلطة من خلال سيطرتهم على التجارة، يستوجب - في نظر هذا العالم - محاربتهم وهدم كنائسهم وكسر شوكتهم ليعودوا إلى الذل والصغار". وقد أثارت هذه الفتوى، من قبل الإمام المغيلي، ردود فعل كثيرة في أوساط معاصريه من العلماء بين مؤيد ومعارض. ولما حمي الوطيس بين الفريق المناصر لمحمد بن عبد الكريم المغيلي، والفريق المعارض له، واشتد الخلاف بين المسلمين، راسل كلا الفريقين أكبر علماء العصر في تلمسان، وفي فاس، وفي تونس، وكانت المدن الثلاث العواصم السياسية، والدينية، والثقافية للأجزاء الثلاثة من المغرب الإسلامي. قلت راسل الفريقان كبار علماء العصر، يستفتيانهم في القضية، وكان كل فريق يأمل تأييد موقفه ضد موقف الفريق الآخر، المتهم بمخالفة تعاليم الشريعة.

وقد أورد الإمام الفقيه أحمد الونشريسي في موسوعته الفقهية المعيارالمعرب، مختلف الفتاوى التي تلقاها الفريقان، فكان ممن عارضوا المغيلي علماء من تلمسان وفاس، وعلى رأسهم الفقيه عبد الرحمن بن يحيى بن محمد بن صالح العصنوني المعروف بشرحه على التلمسانية، و قاضي توات أبو محمد عبد الله بن أبي بكر الاسنوني.

أما العلماء المؤيدين فقد كان على رأسهم الأئمة الأعلام محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي مؤلف الكتاب في ضبط القرآن الكريم "الطراز على ضبط الخراز" ، ومحمد بن يوسف السنوسي، أبو عبد الله التلمساني الحسني عالم تلمسان وصالحها ، وأحمد بن محمد بن زكري المانوي أبو العباس المغراوي التلمساني مفتي تلمسان في زمنه.

ويقول المؤرخون: "... إنه فور وصول جواب هؤلاء العلماء لواحة تمنطيط، حمل المغيلي وأنصاره السلاح، وانقضوا على كنائس اليهود، فهدموها دون تأخير".

رحلة دعوة و إصلاح و تأليف في الصحراء :

بعد انتصاره على اليهود كما رأينا ، قام [ كما جاء في بحث بعنوان : " ملامح من التأثير المغربيّ في الحركة الإصلاحية في النيجر - للدكتور عبد العلي الودغيري رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر ] " هذا الداعية الكبير برحلته الطويلة إلى مناطق السودان الغربي، وظل مشتغلاَ بالدعوة والوعظ والتدريس والقضاء والفُتْيا وبَذَل النصح لأمرائها وأولي الأمر فيها. وطاف بعدد من عواصمها وأقاليمها فزار كانوا وكَشنَة في شمال نيجيريا، وكاغو (أو جاو) (الواقعة في مالي حالياً) وتَكَدَّة من منطقة أهير (التابعة للنيجر حالياً)، وغيرها من البلاد الواقعة بين نهري السنغال والنيجر، ويقول بول مارتي: »ونحن نعلم ـ حسبما هو متداول من معلومات ـ أن الإسلام دخل إلى بلاد الجرما والبلاد المجاورة إلى تساوة (Tessaoua)، وزندر (Zinder) بواسطة الشريف الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي، أو بالأحرى بواسطة تلاميذه المباشرين في القرن الخامس عشر«، إلى أن يقول: »لقد هبط المغيلي مع نهر النيجر إلى ناحية ساي (Saye)(1) [ منطقة "ساي" هذه هي التي توجد بها الجامعة الإسلامية بالنيجر حالياً، وتبعد عن نيامي بحوالي 50 كلم. ]

ويضيف قائلا: " وأرسل بعثات من قبله إلى بلاد جرما جندا (Djermagenda)، وربما إلى الشرق أيضاً... وقد استُقبلتْ وفادة المغيلي إلى هذه المناطق بحفاوة بالغة، وقربه أمراؤها وملوكها وجعلوا منه مستشارهم الخاص ومرجعهم الفقهي الأعلى، وكتب لهم رسائل ووصايا وفتاوى في أمور الحكم والدولة والسياسة الشرعية منها:

... أ) " مجموعة في أمور الإمارة وسياسة الدولة " التي ألفها لأمير كانوا محمد ابن يعقوب المعروف بَرمْفت، وهي التي طبعت بعنوان مخترع: "تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين "[ طبعت هذه المجموعة طبعات متعددة وترجمت إلى الإنجليزية، وآخر طبعاتها صدرت سنة 1994 م، عن دار ابن حزم (بيروت)، بتحقيق محمد خير رمضان يوسف]. وقد سلك فيها مسلك أسلافه من علماء المسلمين الذين ألفوا كتباً في نصح الملوك، وإرشاد السلاطين مثل أبي بكر الطرطوشي في "سراج الملوك"، والماوردي في الكتاب المنسوب إليه باسم: "نصيحة الملوك"، وكتابه المشهور "الأحكام السلطانية"، والغزالي في كتابه "التبر المسبوك في نصيحة الملوك"، وابن الأزرق الأندلسي في: "بدائع السلك في طبائع الملك"، والحميدي في "الذهب المسبوك في وعظ الملوك" وغيرها مما هو معروف. ب) ثم كتب للأمير رَمْفَا محمد بن يعقوب لأمير كانو وصية أخرى في " ما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام " [ترجمها ريشار بلمر (R. Palmer) إلى الإنجليزية سنة 1914 م، ثم نشرها الألوري في كتابه "الإسلام في نيجيريا"، وضمنت أيضاً في كتاب "ضياء السياسات" لعبد الله بن فودي الذي نشره د. أحمد كاني سنة 1988م].

ج) ثم مكث مدة عند السلطان محمد بن أبي بكر التوري المعروف بالحاج أسكيا أمير مملكة سنغاي، وألف له أجوبة عن أسئلة كثيرة وجهها إليه، وهي المجموعة التي عرفت باسم: "أسئلة أسكيا وأجوبة المغيلي" [ " أسئلة الأسكيا (كذا) وأجوبة المغيلي "، تقديم وتحقيق الأستاذ عبد القادر زبادية ، سلسلة ذخائر المغرب العربي ، مطبعة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر سنة 1974 م ] ؛ فكانت بمثابة الحجة الشرعية الدامغة التي استعملها أسكيا في توطيد دعائم ملكه ومواجهة خصومه" .

... وكان المغيلي بجانب ثقافته الدينية الواسعة وقيامه بأمور الوعظ والإرشاد، ومعرفته بأمور السياسة الشرعية، يحترم رجال الطرق الصوفية خاصة منهم أولئك الذين يبتعدون عن الدروشة والخزعبلات، على الطريقة القادرية. وكثير من الباحثين يعتقدون أن له دورا كبيرا في التعريف بالطريقة القادرية التي كان يحترم شيوخها ، ومنهم أستاذه وصهره المفسر الثعالبي الذي عرفه عليها، ويدعوا لهم بالنصر والنجاح، ولذلك انتشرت في السودان.

صدى هذه الدعوة في الصحراء :

إن المتفق عليه بين جميع الدارسين الذين تناولوا شخصية المغيلي من القدامى والمحدثين ومن العرب والغربيين، هو أن الرجل كان له تأثير قوي وملموس جداً ظل صداه يتردد بعده قروناً طويلة. وهذا يلخصه الشيخ الأمين محمد عوض الله بقوله في كتابه :" العلاقات بين المغرب الأقصى والسودان الغربي في عهد السلطنتين الإسلاميتين مالي وسنغاي" جدة، 1970، ص: 192

" .....ونستطيع أن نؤكد من النصوص السابقة، أن الدور الذي قام به العالم الجليل المغيلي لا يدانيه أي دور قام به عالم مغربي في السودان الغربي. فقد ترك أثراً إسلامياً كبيراً، وقام بتصحيح مفاهيم كثيرة كانت مغلوطة في أذهان العامة والسلاطين".

ويقول الدكتور شيخو أحمد سعيد غلادنثي، وهو أحد أبرز المثقفين والمهتمين بالتراث الإسلامي في نيجيريا، ومن أبناء مدينة كانو بالذات، متحدثاً عن زيارة المغيلي لمدينته في كتابه:" حركة اللغة العربية وآدابها بنيجيريا، ط, 2، الرياض، 1993 م، ص: 42 ويذكر هذا المؤلف أن أحفاد المغيلي في كانو ما يزالون إلى اليوم يحضرون مجلس أمير كانو، ويكونون في حاشيته.:" ... ولقد كان لهذه الزيارة التي قام بها المغيلي إلى كانو صدى كبير، ونتائج عظيمة تركت أثراً واضحاً لا في كانو فحسب، ولكن في ولايات الهوسا جميعاً، لأن انتشار الإسلام في كانو أدى إلى انتشاره في الولايات الأخرى [من نيجريا]. ومن ذلك الوقت نستطيع أن نقول إن ولاية كانو أصبحت ولاية إسلامية حقاً، وبدأت بعدئذ تلعب دوراً هائلاً في خدمة الثقافة الإسلامية في الولايات الأخرى". ويذكر هذا المؤلف إضافة إلى ذلك بأن أحفاد المغيلي في كانو ما يزالون إلى اليوم [ 1993 م ] يحضرون مجلس أمير كانو، ويكونون في حاشيته." و لما أرخ المرحوم الشيخ آدم الألوري لحركة الأدب واللغة العربيين في نيجيريا في كتابه الذي سماه:[ "مصباح الدراسات الأدبية في الديار النيجيرية" ط 2، 1992، (دون ذكر المكان)، ص: 18 ـ 19] أشاد بدور الإمام المغيلي الفعال في ترقية العلوم العربية والثقافية الإسلامية ، واعترف بتأثيره الكبير في هذه الناحية ، مما جعله يسمى قسما من الخمسة أدوار التي عرفتها عصور الأدب العربي في نيجيريا منذ قيام هذا الأدب فيها إلى العصر الحاضر، قلت يسميه بعصر المغيلي ،و هذه الأدوار رتبها كالتالي:

1 ـ العصر البرناوي (عصر ظهور الإسلام في نيجيريا، من القرن الخامس إلى السابع الهجري؛ .. 2 ـ العصر الونغري (من القرن السابع إلى القرن التاسع)؛ ... 3 ـ عصر المغيلي (من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر الهجري)؛ 4 ـ العصر الفلاني (يبدأ بظهور ابن فودي وقيام دولته إلى سقوطها في بداية القرن الحالي)؛ ... 5 ـ العصر الإنجليزي (في القرن العشرين). ... ثم يجعل من نص بعض فتاوى المغيلي الواردة في أجوبته لأسئلة أسكيا، نموذجاً لأسلوب الكتابة العربية في هذا العصر الأدبي الذي سماه بالعصر المغيلي. ... وأخيراً يختم المرحوم الألوري في كتابه المشار إليه شهادته في حق المغيلي بالقول: " ... فقد استفادت البلاد منه كثيراً، وآثاره كثيرة في ميادين عديدة واضحة ملموسة لكل صغير وكبير، في الحكم والسياسة والعلم والأدب... ولقد تعلم منه الكثيرون، والكثيرون من علماء هذه البلاد؛ واتصل بسلاطين كانو وكَشِنَة وأكذر وتَكَدَّ؛ ووضع لهم وصايا سياسية على القواعد الشرعية، وهي محفوظة في الدوائر الحكومية ومعمول بها في الأوساط الرسمية".

تأثيره في الحركات الإصلاحية و الدعوية:

لقد أنجزت أبحاث تاريخية عن تأثير هذا الإمام في الحركات الإصلاحية والدعوية في الصحراء خاصة بعد إنشاء مركز أحمد بابا سنة 1973 م ، وهو يحتوى على الكثير من آثاره مخطوطاته، و كانت هذه المخطوطات و الرسائل موضوع رسالة دكتوراه قدمها في جامعة لندن النيجيري حسن إبراهيم كوارزو سنة 1972 م بلندن - دكتور حاليا و أستاذ كرسي بغانا – تحت إشراف البروفيسور الانجليزي جوهن هوناك الذي أصبح رئيسا لمركز الدراسات الإفريقية في مدينة وسترن الجديدة بالولايات المتحدة الامريكية.تحت عنوان : " The Life and Teaching of Al-Maghali "

لقد ظل تأثير المغيلي هذا الذي تحدثنا عنه محفوظاً في ذاكرة الأجيال من أبناء السودان الغربيّ عموماً ونيجيريا على الخصوص، وظلت أعماله وآثاره المكتوبة والروايات الشفوية المنقولة عنه يحفظها العلماء ويتداولها أهل الإصلاح والسياسة ورجال الدعوة جيلاً بعد آخر .... حتى إننا لا نكاد نجد مؤلفاً من مؤلفات علماء السودان والنيجر ونيجيريا والقائمين بالدعوة والإرشاد في هذه البلدان، والمؤرخين للحركات الإسلامية فيها، يخلو من الإشارة للإمام المغيلي والنقل عنه والرجوع إلى وصاياه وفتاواه ورسائله، والاحتجاج بأقواله وآرائه في تدعيم دعوتهم وإسناد الأفكار التي تضمنتها حركتهم الجهادية والإصلاحية والدعوية ، حيث كانوا يواجهون خصومهم وما يقيمونه في وجههم من حملات التشكيك والتشويش في العديد من القضايا الدينية والدنيوية بفتاوى الإمام المغيلي وكتاباته بما لها في نفوس الجميع من الإجلال والإكبار هي الحجة الدامغة من بين الحجج التي يتْأكون عليها ويسوقونها للاحتجاج عليهم ومجادلتهم في مجالس المناظرات والمناقشات والمطارحات السياسية والدينية.

على أن تأثير المغيلي في علماء وفقهاء ودعاة إفريقيا الغربية والشرقية لا يمكن حصره في مجرد النقول الكثيرة التي نجدها تتردد في جل كتاباتهم، بل لقد تجاوز ذلك إلى إقتدائهم بسيرته وطريقته في ردع البدع ومنهجه في الدعوة، وإلى العمل بآرائه والاقتداء بأفكاره واستعمالها في تدعيم مواقفهم و مجادلة خصومهم . وكثيرٌ من الفصول والرسائل التي كتبها هؤلاء العلماء والدعاة ما هي إلا تكرار أو شرح أو تلخيص أو تعليق أو إعادة إنتاج لأفكار المغيلي وكتاباته وترداد لمقولاته وآرائه. وقد تعدى تأثير الإمام المغيلي إلى الحركات الإصلاحية والدعوية حتى أواسط إفريقيا من خلال آثاره وفتاواه ورسائله ووصاياه التي ورثها من ملوك و علماء السودان ، ومن خلال غيرته على الإسلام والدفاع عن بيضته باللسان ثم باليد ثم بشهر السلاح. مؤلفاته و آثاره:

إلى جانب الكتب والرسائل التي ذكرها الدكتور عبدالعلي الودغيري رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر وهي : - "تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين " - " ما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام " - "أسئلة أسكيا وأجوبة المغيلي" فهناك من المؤرخين من أوصل مؤلفات الإمام المغيلي إلى أكثر من ثلاثين كتابا ورسالة أذكر منها: - "البدر المنير في علوم التفسير". - " تفسير سورة الفاتحة ". - "مصباح الأرواح في أصول الفلاح " وهي التي ضمنها فتاويه، و منها فتواه في نازلة توات [ وقد حققها ونشرها الأستاذ رابح بونار – – في سلسلة ذخائر المغرب العربي ، طبعة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر سنة 1968م ] ، وعرفت في بعض المصادر باسم: "تأليف فيما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار". - " التعريف بما يجب على الملوك " - " أحكام أهل الذمة " - " تنبيه الغافلين عن مكر الملابسين بدعاوي مقامات العارفين" - " شرح مختصر خليل سماه مغني النبيل " - " مختصر تلخيص المفاتيح " - " شرح بيوع الأجل من كتاب ابن الحاجب" - " كتاب فتح المتين " - " مفتاح النظر" في علم الحديث و هو شرح وإضافة لما كتبه الإمام النووي في كتابه " التقريب " انظر:"معجم أعلام الجزائر" ص 308. - "منح الوهاب في رد الفكر إلى الصواب " منظومة في المنطق ، له شرح عليها سماه : - " إمناح الأحباب من منح الوهاب ". - "مناظرة بينه وبين الشيخ السنوسي محمد بن يوسف" في التوحيد – مخطوط رقم: 22 ضمن مجموع بخزانة القرويين. - " حاشية على خليل" - " شرح على جمل الخونجي". - وله نظم ، منه قصيدة عارض بها البردة ، وغير ذلك .

رحلته إلى الحج وعودته إلى توات ووفاته:

قام الإمام المغيلي بأداء فريضة الحج ، عاد بعدها ليستقر بمدينة توات خاصة بعد أن قتل اليهود ولده البكر عبد الجبار انتقاما من والده الذي ضيق عليهم وقهرهم وأذلهم ، بعد عودته إلى توات قصده طلاب العلم والعلماء فلم يبخل عليهم بعلمه وفقهه رغم كبر سنه وبقي وفيا لرسالته في الدعوة والإصلاح إلى وفاته سنة 909 هـ ، و سنة الوفاة هذه يشك فيها بعض المؤرخين ، والله أعلم ، و دفن في بلدية زاوية كونتة في أدرار تعالى وجزاه بكل خير .

ويقال:" إن بعض ملاعين اليهود مشى لقبره فبال عليه فعمي مكانه" أوردها أحمد باب التنبكي في نيل الابتهاج ص331 ، وابن مريم في البستان ص 246 ،..

المصادر و المراجع:

- الأعلام " خير الدين الزركلي - دار العلم للملايين - بيروت لبنان- الطبعة الخامسة أيار (مايو) 1980 م.

- " تاريخ الجزائر الثقافي" الدكتور أبو القاسم سعد الله ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998م.

- " الجزائر أرض عقيدة وثقافة" ( باللغة الفرنسية ) تأليف الوزير السابق كمال بوشامة – طبع دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع – الجزائر 2007 م.

-" البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"، لابن مريم محمد بن أحمد: نشر محمد بن أبي شنب، تقديم عبد الرحمن طالب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988 م. –

"تعريف الخلف برجال السلف" الحفناوي، أبو القاسم محمد - مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثانية 1985 م.

- " الإمام المغيلي وآثاره في الحكومة الإسلامية في القرون الوسطى في نيجيريا" آدم عبد الله الألوري، ط 1، مصر، 1974 م. –

بحث بعنوان " ملامح من التأثير المغربيّ في الحركة الإصلاحية في النيجر" للدكتور عبد العلي الودغيري - رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر منشور في مجلة التاريخ العربي .